منتدى القصيدة العربية

منتدى القصيدة العربية (http://www.alqaseda.com/vb/index.php)
-   أخبار الأدب والأدباء والأديبات (http://www.alqaseda.com/vb/forumdisplay.php?f=44)
-   -   خالد شاهين قاسمي / أوراقٌ وإعصار (http://www.alqaseda.com/vb/showthread.php?t=20435)

يوسف الباز بلغيث 22-10-2016 02:27 PM

خالد شاهين قاسمي / أوراقٌ وإعصار
 
كلمتي ( إعصارٌ بعَبَقِ الشِّعر) بديوان صديقي الشاعر الجزائري " خالد شاهين قاسمي"


قد تكونُ المغامرةُ _للخوضِ ببحرِ قصيدةٍ ما _نوعًا من الفضول، يُكسِبكَ شغَفًا ومُتعةً، ويَهبُكَ خبرةً ودرايةً بعدَ سحرٍ، على ما يكتنفُ هذه المغامرةَ من خوفٍ ودهشةٍ؛ وبالنَّظرِ إلى مُستوى ما يُهدِّدُ الحرفَ من خشيةِ الوقوع في الزَّللِ _ إزاءَ تقديرِ سطرٍ في متْنٍ شِعريٍّ كهذا_ ستكونُ المغامرةُ مُقامرةً، يعلو مؤشِّرُ الخسارةِ فيها درجاتٍ، ونحنُ نبتغي الرِّبحَ والفوز.

.. المسؤوليّةُ تزدادُ ثِقَلاً؛ حينما يترقَّبُ التَّائقُ من مَتُوقِه تحيَّةً بيضاءَ، تكون بمستوى ما سكنَ بمهجتِه، وعلقَ بخاطِره. ولعلَّها ظاهرةٌ صحيَّةٌ هذه التي تستنفِرُ في هدوءٍ "أدريانيلا" فائضًا، يجعلُ من تلك القطعةِ الصَّغيرةِ" القلب" بحرًا هائجًا من الأحاسيس، تتَفَلَّتُ نبضاتُه لِتتَماهَى في فلكِ وجعٍ أو ابتسامةٍ، ولا ندري ساعتَها؛ هل الدَّمعةُ الّتي سقطتْ من العينِ بسببِ حُزنٍ أم فرحةٍ ؟ أم بكليهما تتراءَى حالُ الـمتُوق..؟!

.. كان "الشَّاهينُ" مشدوهًا بما أسوقُ إليه من لمْعاتٍ، كانت بجُعبتي منْ كرمِ أدبِنا العربيِّ، ادّخرتُها أيّامَ الجامعة في سنواتِ الجزائرِ السَّوداءِ، وكم سافرنا لياليَ على جناحِ المُتنبِّي والجاحظِ وعنترةَ وابنِ زيدونٍ والسَّيَّابِ ومَيْ والإبراهيميِّ والعقَّادِ والجواهريِّ و...إلخ، نداوي برُؤاهم كُسورَ أدبِنا، ونرمِّمُ بها أنقاضَ أحاسيسِنا.. ولَكَم كان تمظهرُها في حظرةِ شعرِه الواعدِ، العنفوانيِّ بهيًّا وصفيًّا!.. وهوَ يتأنَّقُ بما سكنَ من أدبٍ وجمالٍ من فيضهم بخواطره ومقاماته ومقالاته. كنتُ حينها أستاذًا في نظره، وكنتُ أحسبُني تلميذًا شقيًّا، متنمِّرًا على صديقِه بأستاذيّةٍ ومعرفة، ألْفَيْتُني سوَى صاحبِ سابقةٍ بعهدِ الشِّعرِ والأدبِ، ووجَدْتُني أشعرُ بزَهْوٍ وأنا أبحثُ عن شاعريّةٍ فيه، لم يكنْ لي عليها من فضل، إلاَّ لأنّي أثَرْتُ عُبابَها، فهاجت بما تقْرأونَ، فربِحتُ الرِّهانَ، وكسبَ السِّحرَ والبيانْ.

.. إنّني أكابرُ إذْ أريدُ أنْ أقولَ كلامًا، يحفظُ لصديقي الشَّاعرِ "شاهين" قدرَه _ وهو يأمل منِّي كصديقٍ وأخٍ _ أنْ أقيِّمَ بعضًا من ألقِه الشِّعريِّ، وأنا أختبِئُ وراءَ خيالي الشَّاعريِّ، الذي مازال يُناورُ محفظتَه، واقفًا بعتبةِ مدرسةِ الشِّعرِ؛ ولعلَّ أَجَلَّ ما دَهاني اللّحظةَ _ وأنا أُدوِّنُ انطباعاتي حولَ ما تسلَّلَ منْ جمالٍ إلى رُوحي من كونِه الشِّعريِّ _ هوَ هاته المكابرةُ البريئةُ، في قنصِ شعاعٍ دلفَ عبرَ نافذةِ الرُّوحِ إثْرَ شُروقه، وقد جمعتني به سنواتٌ سعيدةٌ، حزينةٌ في الوقتِ ذاته، ولم يزلْ يتسرَّبُ رُويدًا..رُويدا.

..أكثرُ ما يُضيئُ ألقَ نصوصِ الشَّاهين تلكَ "الرَّمزيّةُ".. غيرُ المحاذيةِ لحُدودِ الطَّلاسمِ، على ما تبدُو للكثيرينَ بأنّها موغلةٌ في الغموض، وإنَّ استجداءَ المباشرةِ الرَّتيبةِ لهُيُولى الشِّعرِ لتَذهبُ بمُتعتِه وإلماعاتِه، والّتي تأسرُ القارئَ في الغالب بعنفوانِها وسحرِها، ليقولَ كلمتَه؛ وإنْ اعترتْها السَّذاجةُ والبساطةُ، وحتّى التّناقضُ. وبالنَّظرِ إلى أثَرِ الشِّعرِ في ذائقةِ النَّاسِ، يربأُ الشَّاعرُ بنفسِه إلى صومعتِه، لِينثرَ مِنْ عَلَيْها وُرُودَهُ، الّتي قد تصلُ إلى النّاس ذابلةً أو كاشِحةَ المنظرِ، ومازالتْ تحتفظُ بـ"إكْسيرِ" الحياةِ والجمالِ فيها.
.. الرَّمزيَّـةُ التي لوَّن الشَّاعرُ بها تصاويرَه تنبعثُ من رَافِديْنِ أساسيْنِ: فلسفةِ فكرِه، وصوفيّةِ روحه؛ في خضمِّ وجدانيَّاتِه الطَّافحةِ المتألِّقةِ، وكِلاَ الرَّافِدَينِ يتأنّقانِ بانسيابيّةٍ في الأسلوبِ، مع رصانةٍ في التّركيب، تُعملُ فكرَ وذائقةَ المتلقِّي إلى أخذِ قسْطٍ كبيرٍ من التّأمُّلِ فالتّأويل. مع ما اكتنفَ بعضًا من سياقاتِ تركيباتِه من رصانةٍ مُسْتَجْداةٍ، جعلته يركنُ إلى الصَّنعةِ والزُّخرفِ بعد دفَقٍ إلهاميٍّ، سهلٍ ممتنِع.

.. خالد شاهين قاسمي؛ شاعرٌ يتقصَّى خطواتِ القُدامى، ويزدادُ على جريِه القاصدِ هذا _نثرًا لعبيرِ ذائقتِه في نوْلِ الشِّعرِ وصبغِ ألوانِه_ اجتهادُه في فهمِ وهَجِ الحداثةِ نسقًا وتذوُّقًا؛ إنَّه ينحتُ في أفق القصيدة تِمثالَه، الموشَّحَ بأناقةٍ وخيلاء.. يأنفُ بالكلمةِ حينَ تتشَوَّبُها مغرياتُ السَّفافةِ، ويختبئُ وراءَ السَّطرِ حين يعتقدُ القارئُ بأنَّ الدَّهشةَ تُعادل الغموضَ وتحاكي الطّلسَمَ، ليخرجَ إليه بحُلَّةِ الحكيمِ الحاذق، يمزجُ بينَ التّراثِ والحداثةِ حتّى تراهما مُتماهِيَيْنِ، لا تُفرِّقُ بين كِلا المنْهلين، فتحسَبُه بعضَ الأحيان يُغرِّدُ خارجَ السِّرب!

.. شاعرٌ يعِدُ بالكثيرِ..! رغمَ شُحِّ كرمِه علينا؛ ولكنْ على بُطْءِ خُطاهُ على رمالِ الشِّعرِ، إلاَّ أنَّها ذاتُ بصمةٍ جريئةٍ ومَكينةٍ، ستتركُ هاجسَ شبحِ شاعرٍ، بهيِّ الملامح والتّقاسيمِ، أَحَبَّ الشِّعرَ، فأحبَّهُ، وستُحبُّونه.


بيرين / الجزائر.. جانفي- كانون الثاني/ 2015


الساعة الآن 03:23 AM.

Powered by vBulletin® Version 3.7.2, Copyright ©2000 - 2018, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة لمنتدى القصيدة العربية