الصفحة الرئيسة لوحة تحكم العضو التسجيـــل تسجيل الخروج

للتسجيل اضغط هـنـا

زوارنا الأكارم ، نسعد بانضمامكم إلى نخبة من المبدعين والواعدين الجادين بأسمائكم الثلاثية أو الثنائية الصريحة . ||| من ثوابت ديننا وتراث أمتنا ننطلق ، وبلسان عربيتنا الفصحى أحرفنا تنطق ، وفي آفاق إبداعاتنا المعاصرة نحلق !

 


العودة   منتدى القصيدة العربية > ..:: ميادين الشعر والنثر ::.. > سرديات

سرديات قصص قصيرة .. طويلة .. روايات .. مسرحيات .. مقامات ..

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 02-02-2017, 02:34 AM   #1
سيد يوسف مرسي
فارس جديد
 
الصورة الرمزية سيد يوسف مرسي
 

أوسمة العضو
افتراضي الجميلة والشباك ( رواية )























(الجَمِيلةُ والشِبَاكُ )

الجميلة والشِبَاك
حاملاً فأسه علي كتفه ،لم يتغير منذ أن كان صبياً صغيراً ،قدميه حافيتان ، لا ينتعل فيهما حذاءٌ ، يكاد يصل طول قدمه إلي أربعون سنتيمتر ، جلبابه ملطخ بالطين والعفر . ولا يعرف ولا يهمه أن يرتدي ملابس نظيفة أو غير نظيفة ، فالحياة لديه متساوية ،بيضاء كانت أو سوداء، فحياته كلها كدح وشقاء . لو نظرته لم تعرف ولم تفرق بين ملابسه ،أنها بلون واحد دائماً ووجه واحد ،فلا تستطيع التعرف لونها ،بعدما غطتها الأوساخ فصارت كلها بلون واحد ،حتى السروال الطويل الذي يصل أسفل ركبتيه ،لم ينجو من الأوساخ ، إلا جزء صغير اقترب من خصره ،فصفت ملامح لونه ، حين يعود للدار يخر صريعاً ملقي علي ظهره أو جنبه ، مهلوك متهالك ، قد يأتيه الطعام فلا يأكله ولا يقربه ، وقد لا يستجيب !؛ حتى لنداء زوجته وبناته من أجل الطعام .أو حتى لو كان للاطمئنان ، أنما يستجيب جسده للنوم والراحة ، تزيد الشمس من لفحة وجهه !،فيزداد حرقة ، من كثرة التجاعيد التي علت جبهته ؛ لو نظرت إلي وجهه لرأيت مدينة خطت بشوارعها ، فيها المتسع وفيها الحكر الضيق ، كأنها طرقات امتدت لا تُعرفُ لها نهاية ، فإذا انتهت تجاعيد وجهه انتهت ملامحه ؛كما تعددت تجاعيد وجهه تعددت زوجاته وتركت أثارها علي أرض وجهه ،وكأنه عائد من رحى معركة كان فيها بين كر وفر ،فيهن من أبت أن تظل معه ، وقد ضاقت بحياة البؤس والشقاء في بيته ،فأثرت الخروج من حياته الجافة ،ومنهن من لم يستريح لها ،فتعددت زوجاته كما تعددت همومه ،فحياته شاقة وعيشه ضنك ، فمن تستطيع أن تعيش شقاءًًً وكداً ونكداً طوال يومها ؟،أنه لا يستريح ولا يجلس في الدار يوماً ، وليس لديه من رقيق الكلام وحلوه ، تصفه أحدي زوجاته المفارقات : أنه مثل الثور المعلق في الساقية ،أو مثل( وابور ) الرحاء الطحين ،ذلك هو الريس فهيم الذي لم تعمر معه النساء طويلاً ،وكأنهن ينجين بأبدانهن فراراً من هذا الشقاء الذي يأكلهن ويسلب منهن أجسادهن وصحتهن ، إلا تلك التي ظلت معه حتى فنيت من أمامه فقد أفناها الشقاء وأصابها المرض وعجزت عن الحركة وظلت تعوي في هجيره وتحت قيظه حتى فارقت الحياة .تاركة له خمسة بنات ، تركتهن وهي تنظر إليهن شفقة ورحمة ولسانها رطب بالدعاء لهن ، تتمني لهن السعادة وتأمل من الله لهن رزقاً واسعاً ؛وعيشاً رغيداً حتى لا تكون حياتهن مثل حياتها التي عاشتها هي في منزل أبيهم ، لقد ماتت صفية والدموع من عينها تنهمر خوفاً وجزعاً علي بناتها ،لأنها تعرف قسوة الأب ،وظروف الحياة الشديدة ،ولقد جزعن بناتها علي فراقها وبكين بكاءً مراً، فأصبحت الحياة أمامهم أشد قسوة ،بعدما غاب الظهير والسند ،لقد رحلت التي كانت تخفف عنهن وتلاطفهن حيثما يعودن بعد عناءٍ من نهارٍ،لقين فيه من التعب وسمعن فيه من الكلام ما تُسممُّ به الأبدان ،كانت دائما تقف أمام سطوة أبيهم وغلظته بالمرصاد متحملة أشد العقاب .من سب ٍ ضربٍ بالعصي وركل ٍ بالقدم ِ،لقد كانت أمرآة صبورة جلدة ؛فحق لها أن تعمر بعض الشيء مع الريس فهيم ، وهذا ما ساعدها للتحمل والصبر ، ظروفها المتشابهةٍ التي تركتها خلفها عند بيت أبيها وأهلها ،فأثرت الجلادة ًوتحملت مالا يطاق ،فلا فرق بين هنا وهناك ،ولذا فما الذي أوقعها مع رجل مثل الريس فهيم ؟؛ لكنها الآن رحلت وتركت خلفها كل ما أجهدها ،وهي تنام مؤرقة من شيء واحد
فقط ،غلظة الأب وشدته علي بناتها ،لقد كانت تأمل وهي كذلك أن يرزقها بولدٍ ، فهو يكره البنات ولا يهتم بهن،ولقد عرفت ذلك من معاملته لها ولبناتها ، دائماً ما كان يقول ولا يخفي في قوله ،كان بودي ولداً يساعدني ويخفف عني أحمالي وأثقالي ،لكن شاء القدر أن لا يرزق بهذا الولد من صفية ،فذلك إرادة الله وتقدمها في السن وسريان المرض وتملكه في جسدها الواهن الضعيف ، فمضت الأيام وتوقف العد ُ ،لكن البنات سرعان ما شببن واستدار قوامهن وأصبحن في مرحلة النضج ، وبدت عليهن علامات الأنوثة الحقيقة ،التي إن دلت فأنها تدل علي وفرة الجمال واكتماله عندهن جميعاً،بالرغم من ثوب الفقر والجاف ،فكان هذا الجمال مؤشر جيد ودافع عند الناس للتقدم لخطبتهن والزواج منهن ،بالرغم من الفقر الذي يحيط بهن ويسكن معهن الديار .ويلازم العيش والسكن معهن ؛ فلهن جمال لا يتوفر عند غيرهن من بنات العائلات الشهيرة بالقرية ،وقد ساعدهن هذا الحظ الجمالي في الهروب واحدة تلو الأخرى من خضم هذا اليم الغادر وهذا العذاب المعيشي ،لقد كانوا ينظرن بعين الحسرة علي مثيلاتهن من البنات وهن يرتدين الأثواب الجديدة في بيوت أبائهن ، تحيط بهم السعادة ،وهن راضخات لكل الظروف التي لا تسمح ، لقد كانت صفية تستقطع بعضاً من أجورهن في حقول الغير خلسة كي تستطيع أن توفر لإحداهن ثوباً جديداً أو طرحة تغطي رأس واحدة منهن بها أمام الناس حينما تخرج ،ولقد تجاوز غالبتهن هذه المرحلة التي أدمت قلوبهن وأجسادهن ، لقد تزوجن فراراً ونجاة من هذه الحياة التي كادت تقضي عليهن ،لو استمررن في بيت أبيهن علي نفس الوتيرة والعيشة الضنكة ؛فلم يتبق منهن إلا واحدةً لم تتجاوز العقد الثاني من العمر، طولها فارع ووجهها مشرق كالشمس، ضفائر شعرها المدلاة، مهرة عربية تراها في استقامة الرقبة، واتساع مساحة الصدر، وخصرها الملفوف إذا تحركت اهتزت كأنها لوالب تشابكت تراقصت على أنغام الدفوف القارعة ، سبحان من خلق ،لا تعرف النعيم ولا راحة البدن ،كأنها خُلقت للشقاء ، تنظر الأقران وتتحسر ، تود لو جيء إليها يوماً بفستانٍ جديدٍ؛أو جلبابٍ جيدٍ كما تري الفتياتَ من حولها يلبسن ويرتدين ؛ لكن ما باليد حيلة ،وحيدة مع زوجة الأب القاسية ،ودموعها لا تنقطع ،تأمل الفرار وتخشي الغدر من الزمان ،لكنها تخشي غدر الأب قد يسلمها لأي متقدم وتقع فيما كانت فيه واحلة في بيت أبيها من فقر وذل وحرمان ؛
فالعوز يسكنها والأمل يراودها، والدنيا لا تكتمل لأحد ، فالجمال رزق ؛والغنى رزق ؛وليس لها حيلة في ذلك ؛أنها من بين خمسة مثيلاتها يتألق الجمال فيهن ؛ويَشُدنَّ إليهن الأنظار؛لكن الفقر الذي كاد يقف سداً عائقاً لهن ؛وماذا يفعلن ؟وقد احتكم الأمر ،فلا مفر من قدرها المحتوم ، إنها تؤجر للعمل في حقول الغير وزوجة الأب لا ترحم ،والأب في دنياه العضاضة هائم علي وجهه ،وماذا بعدُ ؟
******
إنه القدر والعرف السائد عند الناس ،والدنيا المقلوبة ، فلا حاجة للناس فيهن ماداموا فقراء ،العيون المفتوحة والإغراء حولهم يأكلهن ؛وأصحاب الشهوات المكبوتة يلاحقهن،كأنهن فرائس خلقن للوحوش الضارية ؛ داخلهن براكين متأججة تلوكهن تحرقهن ، والسدود كثيرة عالية ، العادات ، التقاليد ، العرف المتبع ، والذئاب التي تحوم حول الغنم ، ولولا يقظة الراعي لافترس الذئاب الغنم . إنه يحاول أن يكون حارساً بالرغم من ضعفه وفقره ، ، يتخلص منهن واحدة تلو الأخرى ؛فإذا ما تقدم إليه حتى عابر سبيل وافق على زواجها منه والتخلص منها،المهم عنده أن يجد من يقوم عليها ويحرص عليها ويصونها ويطعمها ويسقيها . رجل فقير والبضاعة جيده . والمتقدم مشتت بعيد ،أو شبه معدوم ،يبحث عن مواصفات لا تتوفر فيهن ، مثل ،،! العزوة والجاه والمال أما هن ..! لا يتوفر فيهن إلا الجمال وحتى الأخلاق قد أصبح الناس لا يهتمون بها، وليس لأبيهن طلباً ، غير سترتهن ،ولا من حقهن الرفض أو القبول ، ويضربون مثلا في ذلك (ظل رجلاً ولا ظل حيطة ) عندما تعثر الواحدة علي زوج ،فقد حازت علي الدنيا بما فيها ،لأن ذلك سيكون فرجة لها من العمل في الحقول والشقاء ونظرات الناس لها ، تفتح الطريق للتي تليها ، يخفف العبء عن كاهلها وكاهل أبيها ،
* * * *
ولقد جاء دورها من بعد أخواتها وتقدم إليها رجلا مسنناً ابيض شعره ، وبدت عليه علامات الوهن ؛وانحناء الظهر ؛ عمله بسيط ، فهو يعمل صانع أسرجه للحمير والبغال (برادعي ) كما يقولون ،ما أن تقدم حتى تمت الموافقة عليه ، لم يُأخذ برأيها ولم تُسأل في أمرها ، جُلبت إليه بأقل مهر أو تَكْلِفة (ثمن ) !،وُسيقت إليه كما تساق الشاة إلي السوق ؛يجرها خلفه ؛ كما يجر الفلاح بقرته وشاته، أدخلوها عليه في حجرةٍ ،بالكادِ تكون قبراً فيه سراجٌ زيتيٌ المشعل ،نظرت بعينيها وغاصت في تيه عميق ،وفاقت على الصدمة الكبرى وتيقظت فكره الهروب عندها، أتدفن وهي حية وتري قاتلها بعينيها ..؟ لا لن يكون مصيرها هذا القبر أبداً ولا يمكن أن يكون مثواها هكذا ،ولن تقض حياتها موت ثم موت ؟ هي التي كانت تتطلع وتنظر إلي السماء تدفن بهذه الطريقة ، تظاهرت بالرضا حتى تُتاح لها الفرصة كي تفك نفسها من شباك الأسر التي وقعت فيها ، أوهمته بالذهاب إلى الحمام لقضاء بعض حاجتها وقد أسدل الليل ستره ،وقبضت يدها على مقبض الباب ، وقطعت أول خيطاً من خيوط الشبكة العنكبوتية حتى يكتمل لها الفكاك ،تغوص في أعواد الذرة ؛لا تخاف ليلاً ولا ذئاب ؛وإنما يؤنسها نبح الكلاب ،والنجم الذي تخاطبه كلما لاح في الآفاق ، ما لها في الوجود شيء منه تهاب .. ..
مع تحياتي والفصل الثاني إن شاء الله تعالي
بقلم //سيد يوسف مرسي


سيد يوسف مرسي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
الأعضاء الذين قرأو الموضوع :- 2
سيد يوسف مرسي, إبراهيم الدوف
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
الانتقال السريع


الساعة الآن 06:31 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.7.2, Copyright ©2000 - 2018, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة لمنتدى القصيدة العربية